إبراهيم بن علي الحصري القيرواني

184

زهر الآداب وثمر الألباب

ودخل الرشيد على المأمون وهو ينظر في كتاب ، فقال : ما هذا ؟ فقال : كتاب يشحذ الفكرة ، ويحسن العشرة . فقال : الحمد للَّه الذي رزقني من يرى بعين قلبه أكثر مما يرى بعين جسمه . وقيل لبعض العلماء : ما بلغ من سرورك بأدبك وكتبك ؟ فقال : هي إن خلوت لذّتى ، وإن اهتممت سلوتى ، وإن قلت : إنّ زهر البستان ، ونور الجنان ، يجلوان الأبصار ، ويمتعان بحسنهما الألحاظ ؛ فإن بستان الكتب يجلو العقل ، ويشحذ الذّهن ، ويحيى القلب ، ويقوّى القريحة ، ويعين الطبيعة ، ويبعث نتائج العقول ، ويستثيرد فائن القلوب ، ويمتع في الخلوة ، ويؤنس في الوحشة ، ويضحك بنوادره ، ويسرّ بغرائبه ، ويفيد ولا يستفيد ، ويعطى ولا يأخذ ، وتصل لذّته إلى القلب ، من غير سآمة تدركك ، ولا مشقة تعرض لك . وقال أبو الطيب المتنبي : وللسّرّ منّى موضع لا يناله نديم ، ولا يفضى إليه شراب وللخود منى ساعة ، ثم بيننا فلاة إلى غير اللقاء تجاب « 1 » وما العشق إلَّا غرّة وطماعة يعرّض قلب نفسه فيصاب وغير فؤادي للغوانى رميّة وغير بنانى للرّخاخ ركاب « 2 » تركنا لأطراف القنا كلّ لذّة فليس لنا إلَّا بهنّ لعاب « 3 » نصرّفه للطَّعن فوق سوابح قد انقصفت فيهنّ منه كعاب « 4 » أعزّ مكان في الدّنا سرج سابح وخير جليس في الزّمان كتاب

--> « 1 » الخود : الفتاة الجميلة ، وتجاب : تقطع « 2 » رمية : فريسة ، والرخاخ : جمع رخ ، وهو من أدوات الشطرنج « 3 » اللعاب : هو الملاعبة « 4 » السوابح . الخيول . والكعاب : أطراف القنا